في الأوراس الجزائر، حيث لا تزال الجبال تحفظ في صمتها ذاكرة قرون، وحيث تتناقل الأجيال اللغة كما تتناقل النار دفء البيوت، تولد أحيانا مشاريع صغيرة في ظاهرها، لكنها تحمل في أعماقها معنى كبيرا يتجاوز أصحابها إلى ذاكرة مجتمع وهوية أمة.
من دائرة تكوت بولاية باتنة، اختارت شهرزاد شيبوب أن تجعل من اللغة الأمازيغية أكثر من تخصص جامعي أو مادة تدرس داخل القسم؛ اختارت أن تجعل منها فضاء للعمل والإبداع والعطاء، وأن تبحث لها عن مكان في المدرسة والكتاب والتصميم والفضاء الرقمي، وفي تفاصيل الحياة اليومية.
لم يكن الطريق الذي سلكته شهرزاد مرسوما منذ البداية. فقد بدأت دراستها في تخصص البيولوجيا، قبل أن تتخذ قرارا بتغيير المسار، لتكون وجهتها هذه المرة اللغة الأمازيغية. حصلت على شهادة الليسانس في اللغة الأمازيغية، وكان ذلك التحول بالنسبة إليها أكثر من مجرد تغيير أكاديمي؛ لقد كان اقترابا من لغة وجدت فيها جزءا من ذاتها وذاكرة مجتمعها.

ومنذ سنة 2018، تعمل أستاذة للغة الأمازيغية في الطور المتوسط، لتنتقل علاقتها باللغة من مقاعد الدراسة إلى فضاء التعليم، حيث لا تقتصر مهمة الأستاذ على نقل المعرفة، بل تمتد إلى غرس الثقة في لغة التلميذ، وإقناعه بأن لغته ليست مجرد مادة مدرسية، وإنما وعاء للذاكرة ونافذة على ثقافة متجذرة في الأرض.
غير أن تجربة شهرزاد لم تتوقف عند القسم.
فإلى جانب التعليم، سعت إلى تطوير مهاراتها في مجالات متعددة، فتحصلت على شهادات في التصميم الغرافيكي وتدريب المدربين، ثم أسست صفحتها على مواقع التواصل الاجتماعي تحت اسم DH Design، وجعلتها فضاء متخصصا في تصميم وطباعة مختلف المستلزمات الخاصة بأساتذة اللغة الأمازيغية، في محاولة للجمع بين المعرفة التربوية والبعد البصري والإبداعي.
كما وسعت نشاطها إلى الطباعة الحرارية على المآزر والملابس، مضيفة إليها لمسات أمازيغية تجعل الهوية حاضرة في أشياء تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل رموزا ودلالات قادرة على تحويل التفاصيل اليومية إلى مساحة للاحتفاء بالثقافة.
ولأن اللغة لا تعيش بالتدريس وحده، بل تحتاج أيضا إلى الكتاب، اتجهت شهرزاد إلى التأليف، فأصدرت كتابها “Iḍrisen s Tmaziɣt”، وهو عمل يضم ثلاثين نصا بالحرف اللاتيني وحرف تيفيناغ، موجها إلى الأساتذة والتلاميذ وكل مهتم بالمطالعة والقراءة باللغة الأمازيغية بالمتغير الشاوي.

