شهرزاد شيبوب.. حين تتحول اللغة الأمازيغية من هوية إلى مشروع حياة -ANZZARE ANZZARE
سبتمبر 18, 2026
IMG-20260918-WA0008_1

في الأوراس الجزائر، حيث لا تزال الجبال تحفظ في صمتها ذاكرة قرون، وحيث تتناقل الأجيال اللغة كما تتناقل النار دفء البيوت، تولد أحيانا مشاريع صغيرة في ظاهرها، لكنها تحمل في أعماقها معنى كبيرا يتجاوز أصحابها إلى ذاكرة مجتمع وهوية أمة.

من دائرة تكوت بولاية باتنة، اختارت شهرزاد شيبوب أن تجعل من اللغة الأمازيغية أكثر من تخصص جامعي أو مادة تدرس داخل القسم؛ اختارت أن تجعل منها فضاء للعمل والإبداع والعطاء، وأن تبحث لها عن مكان في المدرسة والكتاب والتصميم والفضاء الرقمي، وفي تفاصيل الحياة اليومية.

لم يكن الطريق الذي سلكته شهرزاد مرسوما منذ البداية. فقد بدأت دراستها في تخصص البيولوجيا، قبل أن تتخذ قرارا بتغيير المسار، لتكون وجهتها هذه المرة اللغة الأمازيغية. حصلت على شهادة الليسانس في اللغة الأمازيغية، وكان ذلك التحول بالنسبة إليها أكثر من مجرد تغيير أكاديمي؛ لقد كان اقترابا من لغة وجدت فيها جزءا من ذاتها وذاكرة مجتمعها.

ومنذ سنة 2018، تعمل أستاذة للغة الأمازيغية في الطور المتوسط، لتنتقل علاقتها باللغة من مقاعد الدراسة إلى فضاء التعليم، حيث لا تقتصر مهمة الأستاذ على نقل المعرفة، بل تمتد إلى غرس الثقة في لغة التلميذ، وإقناعه بأن لغته ليست مجرد مادة مدرسية، وإنما وعاء للذاكرة ونافذة على ثقافة متجذرة في الأرض.

غير أن تجربة شهرزاد لم تتوقف عند القسم.

فإلى جانب التعليم، سعت إلى تطوير مهاراتها في مجالات متعددة، فتحصلت على شهادات في التصميم الغرافيكي وتدريب المدربين، ثم أسست صفحتها على مواقع التواصل الاجتماعي تحت اسم DH Design، وجعلتها فضاء متخصصا في تصميم وطباعة مختلف المستلزمات الخاصة بأساتذة اللغة الأمازيغية، في محاولة للجمع بين المعرفة التربوية والبعد البصري والإبداعي.

كما وسعت نشاطها إلى الطباعة الحرارية على المآزر والملابس، مضيفة إليها لمسات أمازيغية تجعل الهوية حاضرة في أشياء تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل رموزا ودلالات قادرة على تحويل التفاصيل اليومية إلى مساحة للاحتفاء بالثقافة.

ولأن اللغة لا تعيش بالتدريس وحده، بل تحتاج أيضا إلى الكتاب، اتجهت شهرزاد إلى التأليف، فأصدرت كتابها “Iḍrisen s Tmaziɣt”، وهو عمل يضم ثلاثين نصا بالحرف اللاتيني وحرف تيفيناغ، موجها إلى الأساتذة والتلاميذ وكل مهتم بالمطالعة والقراءة باللغة الأمازيغية بالمتغير الشاوي.

وفي هذا المشروع تحديدا، تبدو الكتابة امتدادا طبيعيا للتدريس؛ فالنص المكتوب ليس مجرد صفحات، وإنما مادة تمنح المتعلم فرصة للقراءة، وتمنح اللغة فرصة أخرى لكي تعيش خارج جدران القسم.

كما أصدرت دفاتر اللغة الأمازيغية الموجهة للأساتذة في مختلف الأطوار تحت عنوان:

“Alug amatu (Aswir amenzu)”

و

“Alug amatu (Aswir alemmas / Asnawi)”

وقد جاءت هذه الدفاتر، بحسب تجربتها، كإضافة جديدة في مجال الوسائل التعليمية باللغة الأمازيغية في الأوراس، لتسد جانبا من الحاجة إلى أدوات عملية تساعد الأستاذ وترافقه في مساره التربوي.

لكن المشروع لم يصل إلى نهايته بعد.

فهناك عملان آخران قيد الإنجاز، هما:

“Tifinaɣ, tira n lejdud”

و

“Tirawalt n Tmaziɣt”

وهما امتداد لمسار يبدو أن فكرته الأساسية تتشكل حول الكتابة والتعليم والحفاظ على اللغة وتيسير الوصول إليها.

وإلى جانب التأليف والتصميم والتعليم، تقدم شهرزاد أيضا دورات تدريبية في تعليم اللغة الأمازيغية، وتسعى إلى إدخال الذكاء الاصطناعي في مجال التعليم، إيمانا منها بأن الحفاظ على اللغة لا يعني أن تبقى أسيرة الماضي، بل أن تمتلك أيضا أدوات المستقبل.

وهنا تتجلى خصوصية تجربتها: فهي لا تنظر إلى اللغة من زاوية واحدة، ولا تحصر خدمتها في الكتاب أو المدرسة وحدهما، وإنما تحاول أن تفتح لها أبوابا متعددة؛ في القسم، وفي الورق، وفي الكتاب، وفي الصورة، وفي التصميم، وفي الملابس، وفي المحتوى الرقمي، وحتى في تقنيات التعليم الحديثة.

إنها محاولة لبناء جسر بين أصالة اللغة وإمكانات العصر.

فالحفاظ على الهوية لا يعني أن نعيد الماضي كما هو، وإنما أن نمنحه القدرة على الاستمرار. واللغة التي تريد أن تبقى حية لا يكفي أن نتحدث عنها ونفتخر بتاريخها؛ ينبغي أن نكتب بها، ونعلّمها، وننتج بها، ونصمم لها، ونمنح أبناءها أدوات تمكنهم من استخدامها بثقة في حاضرهم ومستقبلهم.

ومن هنا يمكن فهم مشروع شهرزاد شيبوب بوصفه تجربة شخصية في بدايتها، لكنها تحمل أفقا جماعيا أوسع. فهي لا تقدم نفسها باعتبارها صاحبة الطريق الوحيد، بل تؤمن بأن لكل إنسان أسلوبه الخاص في خدمة الهوية الأمازيغية؛ فمنهم من يخدمها بالكلمة، ومنهم من يخدمها بالكتاب، ومنهم من يحملها إلى المدرسة، ومنهم من يرسمها في صورة، ومنهم من يحفظها في أغنية، ومنهم من يفتح لها نافذة في العالم الرقمي.

تتعدد الطرق، لكن الغاية واحدة.

أن تبقى اللغة حية.

أن تنتقل من جيل إلى جيل لا بوصفها أثرا من الماضي، بل باعتبارها جزءا من الحاضر ومادة لصناعة المستقبل.

ولعل أجمل ما في هذه التجربة أن مشروع شهرزاد لا ينطلق من فكرة أن حماية الهوية مسؤولية الآخرين، بل من إيمان بأن كل فرد يستطيع أن يترك أثرا، مهما كان مجاله صغيرا في أعين الناس.

فقد يكون الأثر كتابا يقرأه تلميذ، أو دفترا يساعد أستاذا، أو تصميما يجعل رمزا أمازيغيا حاضرا في الحياة اليومية، أو دورة تدريبية تفتح لشخص آخر بابا جديدا، أو نصا مكتوبا بلغة كانت تنتظر من يمنحها مساحة أخرى للظهور.

وهكذا تصبح الهوية فعلا يوميا لا مجرد شعار، ويصبح الانتماء ممارسة وإبداعا ومسؤولية.

من تكوت، تواصل شهرزاد شيبوب بناء تجربتها بهدوء، واضعة اللغة الأمازيغية في قلب مشروعها، ومؤمنة بأن خدمة الثقافة لا تحتاج دائما إلى مشاريع ضخمة؛ فقد تبدأ من أستاذ داخل قسم، أو من كتاب صغير، أو من تصميم، أو من فكرة تولد أمام شاشة حاسوب.

وفي النهاية، ليست قيمة الإنسان فيما أنجزه فقط، بل فيما يتركه من أثر بعد أن يمضي.

وشهرزاد، من خلال التعليم والتأليف والتصميم والتدريب والمحتوى الرقمي، تحاول أن تجعل أثرها واضحا في المكان الذي اختارته لنفسها: أن تكون اللغة الأمازيغية حاضرة، مكتوبة، مقروءة، متعلمة، مصممة، ومواكبة لزمنها.

فكل من يخدم اللغة يكتب، بطريقة أو بأخرى، سطرا في ذاكرتها.

وكل جهد صادق يبذل من أجلها اليوم، قد يكون يوما جزءا من الذاكرة التي سيقرأها أبناء الغد.

اترك رد

Translate »